محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
782
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أمّا الأوّل فقد كان النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - واقفا على مقادير عقولهم ومبالغ أفهامهم ؛ فلو ( 321 ب ) أجابهم بالعلّة الفاعلية للأهلّة أيّ سبّب لها هلالا وبدرا وزيادة ونقصانا ما كان يدرك أفهامهم ذلك ؛ فعدل إلى العلّة الكمالية والحكمة الغائية لها ؛ فإنّها أقرب إلى عقولهم وأصلح لأمورهم ؛ فقال : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أي إنّما جعلت أهلّة ليتميّز وقت عن وقت ، وشهر عن شهر ، ولو كان القمر كالشمس على حالة واحدة لما كان تعرف الشهور والأعوام ؛ فذلك هو الحكمة في الهلال على رأس كلّ شهر ؛ وكثيرا مّا يصرف السائل عن جهة سؤاله إلى جهة هو أقرب إلى فهمه وأصلح لقبول ذهنه ، وكأنّه يمنعه من السؤال ويدفعه عن طلب ما لا يعنيه من المقال ، ويشغله بما يعنيه من الحاجة إليه والضرورة فيه . ولو أخذ يقرّر أنّ القمر ليس بمضيء في نفسه وأنّه قابل الضوء والنور من الشمس ؛ إذ هو آية الليل ، وقد محي ، بخلاف آية النهار ؛ فإنّها مبصرة ، وأنّه على قدر نسبته إلى الشمس بالمسامتة يقبل النور إمّا نسبة نصف السدس أو السدس أو الربع أو هو على كلّ حال مسامت بنصفه ؛ إذ لا حائل بينه وبين الشمس ، ولكنّ الأرض لما توسّطت بيننا وبين رؤيتهما منعتنا عن إدراك نصف النور أبدا ، وتلك النسبة بالسدس والربع هي بالنسبة إلينا ؛ فهو ممتلئ بالنصف أبدا ، لما كان يعرفه السائل ولا كلّ أعرابي في الحجاز واليمن . ولست أدري إنّ السؤال هل كان كما نقل في التفسير أو كان سؤالا عن الأهلّة مطلقا ؛ فيكون الجواب مطابقا له لا يحتاج فيه إلى تكلّف . وأمّا الثاني وهو طلب وجه الاتّصال ؛ فقد قيل فيه : إنّ إتيان القوم من ظهور البيوت كان من أعمال الحجّ وتوابعه ، وقد جرى ذكر الحجّ ؛ إذ قال : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ؛ فعقّبه بذكر توابعه ممّا أحدثوه في الحجّ ونهاهم عن ذلك ؛ وقيل فيه : إنّه لمّا أن قدّر أمور الناس بأوقات ولم يهملها إهمالا كذلك قدّر أنّ أعمالهم يجب أن تكون مقصورة على الاتّباع لا على الابتداع . وأمّا الثالث أنّ العرب لم فعلت ذلك ؛ فقد قيل فيه : إنّها بدعة ، ابتدعوها كالمكاء والتصدية عند البيت ؛ وقيل فيه : إنّها طيرة تطيرّوا بها أو فأل وزجر تفأّلوا به ، أو لأنّ الحمس منهم تميّزوا عن غيرهم بذلك لشرفهم ( 322 آ ) فهم يأتون البيوت من الأبواب وغيرهم